ابن حجر العسقلاني
103
فتح الباري
وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة وقوله تعالى لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ان تحبط أعمالكم وهذه الآية أدل على المراد مما قبلها فمن أصر على نفاق المعصية خشي عليه ان يفضى به إلى نفاق الكفر وكأن المصنف لمح بحديث عبد الله بن عمرو المخرج عند أحمد مرفوعا قال ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون أي يعلمون ان من تاب تاب الله عليه ثم لا يستغفرون قاله مجاهد وغيره وللترمذي عن أبي بكر الصديق مرفوعا ما أصر من استغفر وان عاد في اليوم سبعين مرة اسناد كل منهما حسن ( قوله على التقاتل ) كذا في أكثر الروايات وهو المناسب لحديث الباب وفى بعضها على النفاق ومعناه صحيح وان لم تثبت به الرواية ( قوله زبيد ) تقدم انه بالزاي والموحدة مصغرا وهو ابن الحرث اليامي بياء تحتانية وميم خفيفة يكنى أبا عبد الرحمن وقد روى هذا الحديث شعبة أيضا عن منصور بن المعتمر وهو عند المصنف في الأدب وعن الأعمش وهو عند مسلم وروى عن ابن حبان من طريق سليمان بن حرب عن شعبة عن الثلاثة جميعا عن أبي وائل وقال ابن منده لم يختلف في رفعه عن زبيد واختلف على الآخرين ورواه عن زبيد غير شعبة أيضا عند مسلم وغيره ( قوله سألت أبا وائل عن المرجئة ) أي عن مقالة المرجئة ولابى داود الطيالسي عن شعبة عن زبيد قال لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت ذلك له فظهر من هذا ان سؤاله كان عن معتقدهم وان ذلك كان حين ظهورهم وكانت وفاة أبى وائل سنة تسع وتسعين وقيل سنة اثنتين وثمانين ففي ذلك دليل على أن بدعة الارجاء قديمة وقد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أخرجه الترمذي مصححا ولفظه قتال المسلم أخاه كفر وسبابه فسوق ورواه جماعة عن عبد الله بن مسعود موقوفا ومرفوعا ورواه النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص أيضا مرفوعا فانتفت بذلك دعوى من زعم أن أبا وائل تفرد به ( قوله سباب ) هو بكسر السين وتخفيف الموحدة وهو مصدر يقال سب يسب سبا وسبابا وقال إبراهيم الحربي السباب أشد من السب وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه يريد بذلك عيبته وقال غيره السباب هنا مثل القتال فيقتضى المفاعلة وقد تقدم بأوضح من هذا في باب المعاصي من أمر الجاهلية ( قوله المسلم ) كذا في معظم الروايات ولأحمد عن غندر عن شعبة المؤمن فكأنه رواه بالمعنى ( قوله فسوق ) الفسق في اللغة الخروج وفى الشرع الخروج عن طاعة الله ورسوله وهو في عرف الشرع أشد من العصيان قال الله تعالى وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ففي الحديث تعظيم حق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق ومقتضاه الرد على المرجئة وعرف من هذا مطابقة جواب أبى وائل للسؤال عنهم كأنه قال كيف تكون مقالتهم حقا والنبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا ( قوله وقتاله كفر ) ان قيل هذا وان تضمن الرد على المرجئة لكن ظاهره يقوى مذهب الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي فالجواب ان المبالغة في الرد على المبتدع اقتضت ذلك ولا متمسك للخوارج فيه لان ظاهره غير مراد لكن لما كان القتال أشد من السباب لأنه مفض إلى ازهاق الروح عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر ولم يرد حقيقة الكفر التي هي الخروج عن الملة بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير معتمدا على ما تقرر من القواعد ان مثل ذلك لا يخرج عن الملة مثل حديث الشفاعة ومثل قوله تعالى ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وقد